عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
432
اللباب في علوم الكتاب
قال ابن الخطيب « 1 » : لما تقدمت الآيات الكثيرة في الحث على الإنفاق ، قال بعدها « للفقراء » أي : ذلك الإنفاق المحثوث عليه للفقراء وهذا كما إذا تقدم ذكر رجل ، فتقول : عاقل لبيب ، والمعنى : أن ذلك الذي مرّ وصفه عاقل لبيب ، وكذلك الناس يكتبون على الكيس يجعلون فيه الذهب ، والفضّة : ألفان ، أو مائتان ، أي : ذلك الذي في الكيس ألفان ، أو مائتان . وأنشد ابن الأنباري : [ الرجز ] 1237 - تسألني عن زوجها أيّ فتى * خبّ جروز وإذا جاع بكى « 2 » يريد : هو خبّ . الثالث : أنّ اللام تتعلّق بقوله تعالى : « إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ » وهو مذهب القفّال ، واستبعده الناس ؛ لكثرة الفواصل . الرابع : أنه متعلّق بقوله تعالى : « وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ » وفي هذا نظر ؛ من حيث إنه يلزم فيه الفصل بين فعل الشرط وبين معموله بجملة الجواب ، فيصير نظير قولك : من يكرم أحسن إليه زيدا . وقد صرّح الواحديّ بالمنع من ذلك ، معلّلا بما ذكرناه ، فقال : ولا يجوز أن يكون العامل في هذه اللام « تنفقوا » الأخير في الآية المتقدمة الكريمة ؛ لأنه لا يفصل بين العامل ، والمعمول بما ليس منه ، كما لا يجوز : « كانت زيدا الحمّى تأخذ » . الخامس : أنّ « للفقراء » بدل من قوله : « فَلِأَنْفُسِكُمْ » ، وهذا مردود ؛ قال الواحدي ، وغيره : « لأنّ بدل الشيء من غيره ، لا يكون إلا والمعنى مشتمل عليه ، وليس كذلك ذكر النفس ههنا ؛ لأنّ الإنفاق من حيث هو عائد عليها ، وللفقراء من حيث هو واصل إليهم ، وليس من باب وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [ آل عمران : 97 ] ؛ لأنّ الأمر لازم للمستطيع خاصة » قال شهاب الدين رحمه اللّه تعالى : يعني أنّ الفقراء ليست هي الأنفس ، ولا جزءا منها ، ولا مشتملة عليها ، وكأن القائل بذلك توهّم أنه من باب قوله تعالى : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [ النساء : 29 ] في أحد التأويلين . والفقير : قيل : أصله من : « فقرته الفاقرة » ، أي : كسرت فقارات ظهره الداهية . قال الراغب « 3 » : وأصل الفقير : هو المكسور الفقار ، يقال : « فقرته الفاقرة » أي : الداهية تكسر الفقار ، و « أفقرك الصّيد [ فارمه » ] أي أمكنك من فقاره ، وقيل : هو من الفقرة ، أي : الحفرة ، ومنه قيل لكلّ حفرة يجتمع فيها الماء : فقير . وفقرت للفسيل : حفرت له حفرة ؛ غرسته فيها ؛ قال : [ السريع أو الرجز ]
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 70 . ( 2 ) البيت للشماخ : ينظر ديوانه ( 107 ) ، المحتسب 1 / 60 ، الدر المصون 1 / 654 . ( 3 ) ينظر : المفردات للراغب 397 .